أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

610

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ : يجوز أن يكون حالا من المشار إليه ، والعامل معنى الإشارة كما تقدّم ، ويجوز أن يكون مستأنفا ، ويجوز أن يكون خبر « تلك » على أن يكون « الرسل » نعتا ل « تلك » أو عطف بيان أو بدلا . قوله : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ هذه الجملة تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون لا محلّ لها من الإعراب لاستئنافها . والثاني : أنها بدل من جملة قوله « فضّلنا » . والجمهور على رفع الجلالة على أنه فاعل ، والمفعول محذوف وهو عائد الموصول أي : من كلّمه اللّه . وقرئ بالنصب « 1 » على أنّ الفاعل ضمير مستتر وهو عائد الموصول أيضا ، والجلالة نصب على التعظيم . وقرأ أبو المتوكل « 2 » وابن السّميفع : « كالم اللّه » على وزن فاعل ونصب الجلالة ، و « كليم » على هذا معنى مكالم نحو : جليس بمعنى مجالس ، وخليط بمعنى مخالط . وفي هذا الكلام التفات لأنه خروج من ضمير المتكلم المعظّم نفسه في قوله : « فضّلنا » إلى الاسم الظاهر الذي هو في حكم الغائب . قوله : دَرَجاتٍ في نصبه ستة أوجه : أحدها : أنه مصدر واقع موقع الحال . الثاني : أنه حال على حذف مضاف ، أي : ذوي درجات . الثالث : أنه مفعول ثان ل « رفع » على أنه ضمّن معنى بلّغ بعضهم درجات . الرابع : أنه بدل اشتمال ، أي : رفع درجات بعضهم ، والمعنى : على درجات بعض . الخامس : أنه مصدر على معنى الفعل لا لفظه ، لأن الدرجة بمعنى الرّفعة ، فكأنه قيل : ورفع بعضهم رفعات . السادس : أنه على إسقاط الخافض ، وذلك الخافض يحتمل أن يكون « على » أو « في » أو « إلى » تقديره : على درجات أو في درجات أو إلى درجات ، فلمّا حذف حرف الجر انتصب ما بعده . قوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مفعوله محذوف ، فقيل : تقديره : أن لا تختلفوا وقيل : أن لا تفشلوا ، وقيل : أن لا تؤمروا بالقتال ، وقيل : أن يضطرّهم إلى الإيمان ، وكلّها متقاربة . و مِنْ بَعْدِهِمْ متعلّق بمحذوف لأنه صلة ، والضمير يعود على الرسل . و « من بعدما جاءتهم » فيه قولان : أحدهما : أنه بدل من قوله : « من بعدهم » بإعادة العامل . والثاني : أنه متعلق ب « اقتتل » ، إذ في البينات - وهي الدلالات الواضحة - ما يغني عن التقاتل والاختلاف . والضمير في « جاءتهم » يعود على الذين من بعدهم ، وهم أمم الأنبياء .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 273 ) . ( 2 ) غير مخرج في الأصل 338